ابن بسام
318
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
دهره فجورا وخترا ، ونسيج وحده نفاقا وغدرا ، القاطع منّي بلؤم أفعاله وشيمه ، أسباب قرباه ورحمه ، والمتقدم بذميم بغيه وتعدّيه ، إلى صميم أسرته وأدانيه ، وهذه صفة لا يخفى مكان الموصوف بها وأنّه صاحب سرقسطة - قارضه اللّه بما هو أهله ، وأبعد مثله وأين لا أين مثله ؟ ! - . وقد كانت الأيام أبدت منه أفاعيل مستشنعة شرّق ذكرها وغرّب ، كما [ 115 أ ] أبدع وأغرب ، وكادت تكون سمرا للسامرين ، وقصصا تتلى في الغابرين ، وحاول أمورا مستفظعة مقته فيها الرشيد والغويّ ، وتبرّأ منه الداني والقصيّ ، لم تفده إلّا الخزي الذي لا يزال ناظرا من بقائه ، ولم تكسه إلّا العار الذي لا يراه مباينا باحتفائه ، وأبى على ذلك إلّا تماديا فيها وإلحافا ، وأبت الأقدار عليه إلا إعراضا وإخلافا ، فكلما مدّ بالبغي يدا ، أوهن اللّه بطشها وأيدها ، وكلما نصب للمكر حبالة هوّن اللّه ختلها [ 1 ] وكيدها ، فضلا من اللّه ونعمة ، وكفاية لمن توكّل عليه وعصمة ، وجزاء للباغي بمكره ، وقرضا للمتصدّي / بغدره ، واللّه لا يهدي كيد الخائنين [ 2 ] ، ولا يصلح عمل المفسدين . وكنت قد أبرمت معه بعد تلك الهنات التي جرت ، والشدائد التي انقضت عقدة السلم ، فاعتزم صاحب برشلونة على حربه ، واستنهضني للدخول في حزبه ، ففللت بعد جهد مني حدّ غربه ، واستمرّت الحال على أعدل مناهجها ، ولم يتعذّر مني قطّ عليه بغية ، ولا أبطأت معونة ، ولم يزل يقسم لي بأيمانه التي تضجّ إلى اللّه من فجوره فيها مشافهة ومكاتبة ، بعد ما أقسم من قبل به وأشهد أعلام المسلمين عليها ، بأنه لا يضمر لي بقية الأيام غائلة ، ولا يدخل عليّ داخلة ، وطالت مصانعته لي بزبرج من نفاقه وخداعه ، يرفّ على بهرج من أخلاقه وطباعه ، وأنا على ذلك عالم بدخائله وسرائره ، مستعيذ باللّه من الانطواء على ضمائره ، فلما أراد اللّه أن يفضحه الفضيحة العظمى ، ويقنّعه بالخزية الكبرى ، تقدمت بيننا مقدّمات اقتضت لنا الاجتماع ، فحركني إلى طرف عمله ، وقد كنت آنست منه شرا بنى عليه مع بعض علوج البشاكنة [ 3 ] في الفتك بي ، فأوصيت إليه ألّا يحضرنا أحد منهم ، فقلق قلقا صرّح به ، وأقام مترددا بالثغر يزمع تلك البغية [ 4 ] ، إلى أن التقينا ، وكنت قد استشعرت من سوء الظنّ بمن هو كصرف الدهر لا أمان منه ولا اغترار
--> [ 1 ] ب م : خلتها . [ 2 ] ناظر إلى الآية 52 من سورة يوسف . [ 3 ] ط د س : البشاكسة ؛ وهم جماعة البشكنس . [ 4 ] ب م : يريغ . . . البنية .